محمد سعيد رمضان البوطي
325
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
واختلف الرواة ، فأهل المدينة يروون أنه صلّى اللّه عليه وسلم أهلّ بالحج مفردا ، ويروي غيرهم أنه قرن مع حجته عمرة ، وروى بعضهم أنه دخل مكة متمتعا بعمرة ثم أضاف إليه حجة . ودخل مكة من أعلاها من طريق كداء حتى انتهى إلى باب بني شيبة ، فلما رأى البيت قال : « اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من عظّمه ممن حجّه واعتمره تشريفا وتكريما ومهابة وتعظيما وبرا » « 135 » . ثم مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في حجه ، فعلّم الناس مناسكهم وبيّن لهم سنن حجهم « 136 » . وألقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في يوم عرفة خطبة جامعة في جموع المسلمين الذين احتشدوا حوله في الموقف ، هذا نصها : « أيها الناس : اسمعوا قولي ، فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا . أيها الناس ، إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا . ألا وإن كلّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإنّ أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث وربا الجاهلية موضوع ، وأوّل ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كلّه . أيها الناس ، إنّ الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم ، فاحذروه على دينكم . أيها الناس ، إنّ النسيء زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرم اللّه فيحلوا ما حرّم اللّه ويحرموا ما أحل اللّه ، وإنّ الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق اللّه السماوات والأرض . السنة اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات : ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان . اتقوا اللّه في النساء ، فإنكم إنما أخذتموهن بأمان اللّه واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه . إنّ لكم عليهنّ حقا ولهنّ عليكم حقا : لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه « 137 » فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرّح ، ولهن عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف . فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت ، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به : كتاب اللّه وسنة رسوله . يا أيها الناس ، اسمعوا وأطيعوا وإن أمّر عليكم عبد حبشي مجدّع ما أقام فيكم كتاب اللّه تعالى .
--> ( 135 ) رواه الطبراني ، وابن سعد . ( 136 ) انظر حديث حجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من رواية جابر في صحيح مسلم : 4 / 37 ( 137 ) المقصود بذلك أن لا يأذن لأحد ممن يكرهون دخوله عليهن ، وليس وطء الفراش كناية عن الزنا كما قد يتوهم .